مدونــة البحـــر

السبت، 21 فبراير، 2009

الفهم والحكمة أو اللعنة


كان أخر موقف هو القاسم لظهر البعير ، والذي دعاني لأن أكتب الآن عنهم وبقوة


بعد صلاتنا على الميت الحاضر وتشيعنا للجنازة إلى المقابر ، قام أحدهم بالموعظة والتذكير ، ونبه على أن الدعاء للميت يكون سراً


بعد انتهائه من كلمته ، قام أحد الاخوة الأفاضل بالدعاء جهراً للمتوفى


فقاطعة أحدهم صائحاً برعونة : ماتدعيش .. الدعاء يكون في السر وبس


و استمر في صياحه و عويله محدثاً فتنة كبرى بين الناس ومطلباً إياهم بعدم التأمين على الدعاء


فما كان من رد فعل للناس إلا التأمين وبصوت عال ، كرد فعل قوي و ساحق عليه ، ورافضاً لمبدأ الرأي الواحد الذي يتبناه


استمر الأخ الفاضل في الدعاء حتى انتهى ، بدون الالتفات إلى هيجان ذاك الرجل و تشنجاته


تحدث بعدها أحد الشيوخ الأزهريين الحاضرين من حاملي درجة الدكتوراه ، وبين أن الدعاء سراً يجوز والدعاء جهراً يجوز كذلك ، وأن هذا أمرٌ فقهي مختلف فيه ، و وجه نقد لاذع لأولئك "القلة" ممن فتنوا الناس في دينهم ، وحاولوا الحيال دون إتمام الدعاء جهراً


جن جنوني من هذا الموقف ، خلاف فقهي مستساغ بين العلماء يأتي أحد الجهلة من صغار العقول ليفرض رأيه على الجميع ، ومُحدثاً فتنة كبرى بين الناس


بحثت في أصل موضوع الدعاء على المقابر و كيفيته -سراً أم جهراً- فوجدت إختلافاً في وجهات النظر بين المدارس الفقهية المختلفة ، قليلٌ منهم رأى أنه تُـفضل السرية في الدعاء ويرى أن الجهر بدعة ، بينما يفضل جمهور العلماء الجهر في الدعاء


في فتوى لدار الإفتاء المصرية بتاريخ 2/2/2008م .. تقول


""
أما عن كيفية الدعاء للميت وهل يكون سرًّا أو جهرًا : فالأمر في ذلك واسع ، والتنازع من أجل ذلك لا يرضاه الله ولا رسوله صلى الله عليه وآله وسلم ، بل هو من البدع المذمومة ؛ إذ من البدعة تضييق ما وسَّع الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم ، فإذا شَرَع اللهُ سبحانه وتعالى أمرًا على جهة الإطلاق وكان يحتمل في فعله وكيفية إيقاعه أكثرَ مِن وجه فإنه يؤخذ على إطلاقه وسعته ولا يصح تقييده بوجه دون وجه إلا بدليل
""


وتؤكد الفتوى : على أن الدعاء في الجمع أرجى للقبول وأيقظُ للقلب وأجمعُ للهمة وأَدعى للتضرع والذلة بين يدي الله تعالى

أضغط هنا و هنا


جَهِلَ هذا المفتن أن دعوته لتطبيق رأيه الفقهي من الممكن أن تثير فتنة لا يعلم مداها إلا الله ، وجهل قوله تعالى: "واقتلوهم حيث ثقفتموهم و أخرجوهم من حيث أخرجوكم والفتنة أشد من القتل" .. 191.. البقرة ، وقوله تعالى : "يسئلونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله وكفر به و المسجد الحرام و إخراج أهله منه أكبر عند الله والفتنة أكبر من القتل" .. 217.. البقرة


بينما تقول الآية الكريمة ..رقم 94.. من سورة طه على لسان سيدنا هارون موجهاً كلامه لسيدنا موسى : "يبنؤم لا تأخذ بلحيتى و لا برأسي، إني خشيت أن تقول فرقت بين بنى إسرائيل و لم ترقب قولي"


يُعلق على هذه الآية الشيخ الدكتور "يوسف القرضاوي" ، في كتابه "فقه الموازنات و الأولويات" .. فيقول


حسب السياق يظهر لنا أن سيدنا موسى قبل العذر من سيدنا هارون ، والذي برر قوله بأنه تركهم في لحظة انحراف عقيدي ، مستهدفاً بذلك الإبقاء على وحدة الجماعة وتماسكها


ويضيف : إن في هذه الآية مفاضلة بين فتنة عارضة في الدين و بين وحدة الجماعة ، وفيها نموذجاً للموازنة بين المفسدة المؤقتة التي تغتفر لجلب مصلحة دائمة أو بعيدة المدى

يقول الدكتور : توكل مسعود ، صاحب مدونة "بلا وطن" ، في تدوينته .. ليشهدوا منافع لهم


روى البخاري عن عائشة رضي الله عنه قالت : سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن الجدار -تقصد الجدار الذي يحيط بالكعبة المشرفة من الخارج- : أمن البيت هو ؟!


قال : نعم .. قلت : فما لهم لم يدخلوه في البيت ؟!


قال : إن قومك قصرت بهم النفقة .. قلت : فما شأن بابه ارتفاعاً ؟!


قال : فعل ذلك قومك ليدخلوا من شاءوا ويمنعوا من شاءوا ، ولولا أن قومك حديث عهدهم بالجاهلية فأخاف أن تنكر قلوبهم ؛ لأدخلت الجدر في البيت ولألصقت بابه في الأرض"


إذا : يفهم من هذا أن البيت الذي نحجه وحجه النبي صلى الله عليه وسلم ليس على قواعد إبراهيم ؟!
نعم


وأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحب أن يعيد بناءه مرة أخرى على قواعد إبراهيم ؟!
نعم


وأنه صلى الله عليه وسلم امتنع عن ذلك خشية حدوث الفتنة وانقسام الناس بين مؤيد ومعارض ؟!
نعم


إذا يفهم من هذا أن وحدة المسلمين وألفتهم وتماسك صفوفهم وحبهم لبعض .. أحب إلى الله من بيته الحرام .. وأن يكون البيت معيباً وناقصاً ... فهو أمر هين ... أما أن يكون صف المسلمين ناقصاً ووحدتهم معيبة .. فهذا لا يرضاه الله ولا يحبه رسوله صلى الله عليه وسلم


أنا وأنت ... أعظم من البيت


أ.هـ .. ربنا يعزك يا دكتورنا الغالي

يحكي لي أحد الأخوة ممن أثق في صدقهم أن بعضاً من هؤلاء الناس قاموا بالإفطار في نهار رمضان بعد خروجهم من صلاة الفجر ، زاعمين أن الفجر يؤذن له في بلادنا "مصر" مبكراً عن توقيت آذانه الطبيعي ، فأرادوا أن يؤكدوا على وجهه نظرهم هذه ، فلم يجدوا أمامهم من وسيلة إلا أن يُفطروا أمام الناس بعد الخروج من الصلاة ، لإيصال رسالة مفادها أن الفجر يؤذن له قبل وقته وقبل معاده في مصر ، وأن الإمساك الحقيقي عن المفطرات يبدأ من طلوع الفجر الصادق وهو مالا يتوافق مع فجرنا الطبيعي


ويحكي لي آخر عن مجموعة منهم علموا أن المملكة السعودية رأت هلال شوال في آخر يوم في رمضان ، بينما أكد علمائنا المصريين عدم رؤيته ، فما كان منهم إلا إتباع المملكة ، وافطروا في هذا اليوم -يوم 30 رمضان- بل أنهم لبسوا الجديد في هذا اليوم ، وقاموا بالخروج إلى المُصلى لصلاة العيد جماعة


إنهم أناس يدعون إلى الفتنة بين أبناء الدين الإسلامي الواحد بأشنع وأقبح الطرق والوسائل

قالها عنهم الأمام الغزالي –رحمه الله- من سنوات في بيت شعر ، يقول

...

يقولون هذا "عندنا" ليس بجائز ... ومن أنتم حتى يكون لكم "عندُ"

يُروىَ في الأثر عن حديث ضعيف -ضعفه الإمام الألباني - يقول "الفتنة نائمة لعن الله من إيقاظها".. و أنا أنبه عليه هنا لأبين ضعفه ، وإن كان المعنى صحيحاً


وقد روي عن سيدنا إبن عمر أنه قال : إن الفتنة راتعة في بلاد الله تطأ في خطامها –أي لجامها- ، لا يحل لأحد أن يوقظها ، ويل لمن أخذ بخطامها .. أي لجامها

وبالنظر في سور القرآن الكريم نجد أن لفظ الفتنة قد ذكر "60 مرة" ، وأستعمل في أكثر من 20 معنى ، أشهر هذه المعاني : "الابتلاء و الامتحان" و "الشرك" و "الكفر" و "العذاب"

رسالة أوجهها .. إلى كل الفاتنين والمفتنين للمسلمين في دينهم


وإلى كل الراقصين عن أوتار خلافتنا الفقهية


وإلى كل المتلاعبين بمشاعرنا الدينية البريئة من أصحاب مدرسة الرأي الفقهي الواحد


أقول .. انتهوا خيرٌ لنا ولكم .. وإلا فلعنة الله والملائكة والمؤمنون ستصيبكم


posted by أحمد سعيد بسيوني at 7:51 م

16 Comments:

السلام عليكم
جزاك الله خيرا على مواضيعك الهادفة,
انا شفت بنفسي نماذج زي اللي حكيت عليها,ربنا يهدينا ويهديهم,
وهو اللي احنا فيه من ذل وضعف من قليل,كله بسببنا احنا اللي اتفرقنا واختلفنا فاختلفنا,
ربنا يجمع صفوفنا ويوحد كلمتنا.

21 فبراير، 2009 8:43 م  

الله يكرمك يا احمد على موضوعك ده ورؤيتك دي ويارب يا أخي كل الناس تتبنى وجهة النظر دي ونبطل نضيق على الناس ما وسعه الله عليهم لأن الأمر لا يتوقف فقط عند مرحلة الخلاف في الرأي ولكن يتعداه فعلا إلى الإختلاف والتخاصم والعداوه ولك أن تتخيل أن يحدث هذا في كل كبيره وصغيره فنترك المهم وما هو واجب علينا عمله فعلا من أجل ديننا وأوطاننا ونتفرغ لهذه الخلافات التافهه ,

عندي تدوينه قريبه بعنوان لنجرب نوعاً آخر من الدعوه إلى الله تحتوي تقريبا على نفس المضمون أدعوك لقرائتها وإعطائي رأيك بها

كل التحيه

21 فبراير، 2009 9:10 م  

وتلك مصيبة من مصابنا الجلل حقا
أن نتطاحن فى الاشىء ونحو اللاهدف واللا قصد واللاغاية حتى إذا ما استفقنا وهذا لا يحدث غالبا تطاحنا فى المسبب

سيمفونية تيه كاملة .. حتى إنك قد تنظر من خلال نظارتهم للدين على أنه عبء والعياذ بالله
خاطبوا الناس على قدر عقولهم ينساها الكثيرون منا

جزاك الله خيرا على موضوعاتك الهادفة ونفع الله بها

21 فبراير، 2009 9:22 م  

بجد يا أحمد
انا بكره العالم المتشدده دى واللى بتعد تتخانق على حاجات تافهه
ورغم إن العلماء إختلفوا إلا إنهم بيصمموا على رأيهم
ويظهر إنهم بيعرفوا أكتر من العلماء
وبتشددهم ده ممكن يثيروا الفتن
ربنا يهدينا ويهديهم

21 فبراير، 2009 10:06 م  

السلام عليكم

الاسلام أبسط بكثير مما يحاول البعض أن يغالي ويتشدد لكي يثبت ايمانه

هو يرى من وجهة نظره أن هذا أصح لكن الأسلوب في فرض الرأى هو الخطأ فالوسيلة لا تبرر الغاية ويا ليتنا جميعا نتعامل بيسر الاسلام وبالرفق ولا ننقسم بيننا الى فرق فدعوة هذا الأخ الى الفهم وتقديم الحجة له بالرفق ستعيده بدلا من زيادة التشدد بمعاداته

اللهم ألف بين قلوب المسلمين وابعد عنا الفتن ما ظهر منها وما بطن

الغريب هو الاختلاف في الدعاء على ميت والموت أفضل واعظ ولا نتعظ !!!!

21 فبراير، 2009 10:15 م  

ربنا يجزيك خير على البوست الهادف ده بجد اسم المدونة لايق على تنزيلك للمواضيع المفيدة دي مش بيقول الشاعر
انا البحر في احشائه الدر كامن فهل سائلو الغواص عن صدفاتي
عارفه انه بيقصد اللغة العربيه في البيت ده بس للاسف ساعتها ماكنتش عملت مدونتك لسا والا كان قال البيت ده فيها من جمالها مشاء الله تبارك الله

تقبل خالص تحياتي
وربنا يهدي الجميع ويرشد العلماء للطريقة الصحيحة للدعوة عشان مش ينفروا الناس من الاسلام

21 فبراير، 2009 11:00 م  

فعلا فيه ناس بتختلف وناس بتكفر ناس وتعصب وحروب

من أجل خلافات فقهية بسيطة

جميل جدا مثال البيت اللي ذكرته

22 فبراير، 2009 12:32 ص  

السلام عليكم ورحمة الله ...وبعد
فبوركت وحياك الله

ألخص لك الداء والدواء؛ قال الغزالى رحمه الله فى كتابه الإسلام فى وجه الزحف الأحمر:

"إنهم يتمددون فى فراغنا"

وهى عبارة تنطبق على كل زحف..وعلى كل تمدد..وعلى كل فراغ.

مرة أخرى: حياك الله.. والسلام.

22 فبراير، 2009 12:57 م  

أزال المؤلف هذا التعليق.

22 فبراير، 2009 1:38 م  

أصحاب فقه المراحيض و الفقه البدوى ...

22 فبراير، 2009 1:40 م  

المشكلة ليست في المخالف ... ولكن في الإنكار على المخالف .... وللأسف البعض يظن ما توصل له من العلم هو الحق المطلق بغض النظر حتى عن محاولة فهم أقوال المخالفين .

للأسف معضلة في العصر الحالي بلا بوادر حل .

شكراً للطرح المثمر

22 فبراير، 2009 10:11 م  

السلام عليكم
صديقى العزيز
أشكرك على طرحك لهذا الموضوع الهام الذى نعانى منه فهم بأفعالهم يسيئون للإسلام والمسلمين
تحياتى

23 فبراير، 2009 7:31 م  

ما شاء الله موضوع حلو جدا انا شخصيا استفدت منه
ومكنتش اعرف الخلاف الفقهي ده حول الدعاء
بس فعلا في ناس بتتشبث برأيها وتحارب الراى الاخر خاصة في الدين بالشدة و الغلظة والعنف
وده شىء قد يجعل الاخرين يعاندون ويتمسكون برأيهم
ويتحول الوضع لعراك فكري ولتطرف

ربنا يرحمنا برحمته موضوع رائع

23 فبراير، 2009 7:50 م  

أخى الفاضل: أحمد سعيد بسيونى
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أحييك على هذا الطرح الطيب والمبارك والذى اتسم بالموضوعية والعقلانية والهدوء

بارك الله فيك وأعزك
وجزاك عنا خير الجزاء
وجعل عملك هذا فى موازين حسناتك

اللهم بصرنا سبل الهداية والرشاد
اللهم آمين

24 فبراير، 2009 7:59 م  

وبيقدراعداء الاسلم يدخلولنا من النقاط دي


اللهم وحد شمل المسلمين اللهم امين

25 فبراير، 2009 7:50 ص  

جزاك الله خيرا يا دكتور علي الموضوع الهادف ..
فعلا مشكله عندنا ان كل من هب و دب أصبح يعطى لنفسه الحق في الإفتاء ..

25 فبراير، 2009 5:15 م  

إرسال تعليق

Links to this post:

إنشاء رابط

<< Home